فؤاد ابراهيم

71

الشيعة في السعودية

الجدير ذكره هنا أن الطبيعة تلعب دورا في تسوية مشكلات ثقافية وسياسية واقتصادية ، فقد عدّل النفط العلاقة بين الدولة والمجتمع ليس في السعودية فحسب بل أيضا في الدول الخليجية النفطية . إن تأثيرات هذا التغيير وخصوصا في طبيعة المطالب السياسية المنبعثة من المجتمع ، تعتبر ذات أهمية خاصة . فقد كانت الدولة بحاجة إلى إشراك قطاع كبير من الأفراد في الصناعة النفطية التي تطلبت قوة عمل ضخمة وماهرة من أجل إدارة عملية إنتاج وتسويق النفط ، خصوصا أن منابع النفط متمركزة في المنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية ، وتحديدا في المراحل الأولى ، أي قبل بدء نشأة المدن الحديثة ( الدمّام ، الخبر ، الظهران ) التي اجتذبت مجاميع سكانية كبيرة من مناطق مختلفة من المملكة . ولا شك أن التحوّل الاقتصادي في الدولة وانعكاسات الثروة النفطية على المجتمع والدولة وخصوصا في مجال التمثيل السياسي ، قد عبّر عن نفسه في المرحلة الأولى ، في الإضرابات العمالية في خمسينيات القرن العشرين وستينياته ، أي قبل الطفرة النفطية في سبعينيات القرن نفسه ، وقد أخذت شكل نقابات عمال ثم غرف تجارية ، ثم في التشكيلات السياسية التي ظهرت في المنطقة مدعومة بدوافع أيديولوجية قومية وليبرالية واشتراكية ، ولكنها تنبض بالدعوة إلى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي ، وفي صوغ الدولة على أسس ديموقراطية . ثمة حقيقة أخرى ، هي أن الدولة الريعية ظلّت محصّنة في وجه ضغوط المجتمع من حيث حيازة دور في العملية السياسية ، على أساس العقيدة السياسية التقليدية السائدة في الغرب ( لا تمثيل بدون نظام ضريبي ) . وتقضي هذه العقيدة : أن حاجات الحكّام إلى تحصيل الدخل من المجتمع عبر الضرائب يقابله حق المجتمع في تقييد الحكام عبر الانتخابات والسلطات التشريعية . ولمّا كانت الدولة الريعية ليست بحاجة إلى فرض ضرائب على مواطنيها ، فإنها في المقابل ليست بحاجة إلى تلبية المطالب الشعبية للمشاركة . لذلك ، فإن القوى السياسية التي كانت تضغط من أجل التغيير السياسي والمشاركة في نظام الحكم قد همّشت بسهولة ، لأن المال قادر على إخماد الميول السياسية الطموحة وإطفاء الرغبة في المنافسة للحصول على حصة في الحكم .